الخطيب الشربيني
11
مغني المحتاج
ابن القطان في فروعه نص الشافعي على أنها في ماله . ( وقيل ) هو ( عمد ) وهذا ليس بوجه محقق بل هو رأي للغزالي ، وعليه فيجب به القصاص لأنه تسبب إلى قتله فأشبه ما لو رماه بسهم . تنبيه : حمل هذا القول فيما إذا كانت الشجرة مما يزلق على مثلها غالبا كما ذكره المصنف في نكت الوسيط . أما إذا كانت لا يزلق على مثلها غالبا فلا يأتي هذا القول ، فالتقييد بذلك لمحل الخلاف ، لا كما فهمه أكثر الشراح من أنه قيد لشبه العمد فيكون في هذه الحالة خطأ ، فتنبه لذلك فإنه مما يغفل عنه كثير من الطلبة . وصحح البلقيني أن هذا ليس بشبه عمد بل هو خطأ محض . ( أو ) أكرهه ( على قتل نفسه ) بأن قال له : اقتل نفسك أو اشرب هذا السم وإلا قتلتك فقتلها ( فلا قصاص ) عليه ( في الأظهر ) لأن هذا ليس بإكراه حقيقة لاتحاد المأمور به والمخوف فصار كأنه مختار له . والثاني : يجب ، كما إذا أكرهه على قتل غيره . وعلى الأول لا شئ على الآمر من الدية كما ذكره الرافعي في باب موجبات الدية ، وإن جرى ابن المقري على وجوب نصف دية ، لأن القصاص إنما يسقط لانتفاء الاكراه فينتفي موجبه فلا يجب على فاعله شئ . تنبيه : محل الخلاف كما قاله أبو الفرج الرازي ما إذا خوفه بمثل ذلك القتل ، فإن خوفه بعقوبة فوق القتل كالاحراق والتمثيل فهو إكراه . ويستثنى ما إذا كان المكره - بفتح الراء - غير مميز لصغر أو جنون فإنه يجب القصاص على المكره - بكسر الراء - بخلاف البالغ الأعجمي ، فإنه لا يخفى عليه أنه لا يجوز له قتل نفسه ، بخلاف ما إذا أمره بقتل غيره فعل . نعم إن أمره ببط جرحه أو بفتح عرقه القاتل ، فإن كان بمقتل وجهل كونه قاتلا ضمن الآمر ، لأن الأعجمي حينئذ لا يظنه قاتلا فلا يجوز أن يعتقد وجوب الطاعة . أما إذا علمه قاتلا فلا ضمان على آمره . وخرج بالتقييد بالنفس الطرف ، فلو قال له : اقطع يدك أو رجلك أو نحو ذلك وإلا قتلتك ، فقطعها اقتص منه لأنه إكراه ، لأن قطعه ترجى معه الحياة . ( ولو قال ) شخص لآخر : ( اقتلني وإلا قتلتك فقتله ) ذلك الشخص ، ( فالمذهب لا قصاص ) عليه لأن الاذن شبهة دارئة للحد . والطريق الثاني ذات قولين ، ثانيهما : يجب عليه القصاص ، لأن القتل لا يباح بالاذن ، فأشبه ما لو أذن له في الزنا بأمته . ( والأظهر ) على عدم القصاص ( لا دية ) أيضا بناء على أنها تثبت للمقتول في آخر جزء من حياته ثم تنتقل إلى الوارث ، وهو الأظهر ولهذا تنفذ منها وصاياه وتقضى منها ديونه ، ولو كانت للورثة ابتداء لم يكن كذلك . والثاني : تجب ولا يؤثر إذنه ، بناء على أنها تثبت للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول . تنبيه : لو لم يقل : وإلا قتلتك كان الحكم كذلك كما سيأتي في قول المصنف في باب كيفية القصاص . ولو قال : اقتلني ففعل ، فهدر . هذا كله في النفس ، فلو قال له : اقطع يدي مثلا فقطعها ولم يمت فلا قود ولا دية قولا واحدا ، قاله في الروضة . فإن مات فعلى الخلاف . ومحله فيما إذا أمكن دفعه بغير القتل ، فإن قتله دفعا فلا ضمان عليه جزما كما أشار إليه الشيخان وجزم به ابن الرفعة . فإن قيل : إذا أمكنه دفعه بغير القتل ، فقد انتفى الاكراه فينبغي أن يجب القصاص جزما . أجيب بأن الاذن بلا إكراه مسقط . وقد حكى الرافعي الطريقين في الاذن المجرد ، ثم قال : فإن انضم إلى ذلك إكراه فسقوط القصاص أوجه . ولو قال : اقذفني وإلا قتلتك فقذفه فلا حد على الصواب في زوائد الروضة ، ولو كان الآذن عبدا لم يسقط الضمان . وفي القصاص إذا كان المأذون له عبدا وجهان ، أظهرهما السقوط . ولو أكرهه على إكراه غيره اقتص منهم ، وللمأمور بالقتل دفع المكره ، وللثالث دفعهما ، وإن أفضى إلى القتل فهدر ، والمكره هنا هو المحمول على قتل معين لا يجد عنه محيصا . ( و ) حينئذ ( لو قال ) لشخص : ( اقتل زيدا أو عمرا ) وإلا قتلتك ( فليس بإكراه ) حقيقة ، فمن قتله منهما فهو مختار لقتله فيلزمه القصاص له ، ولا شئ على الآمر غير الاثم . وقال القاضي حسين : هو إكراه لأنه لا يتخلص إلا بقتل أحدهما فهو ملجأ إليه ، وصححه البلقيني ، قال : وليس هذا كإكراهه على طلاق إحدى زوجتيه فإن عليه أن يقول : إحداهما طالق ، فإذا طلق معينة كان مختارا .